أخبار عاجلة
الرئيسية / دراسات / سورية بين طغيان نظام سادي وثورة شعب يتوق للحرية

سورية بين طغيان نظام سادي وثورة شعب يتوق للحرية

محمد فاروق الإمام                                      

مركز أمية للبحوث و الدراسات الإستراتيجية

الحلقة الثانية

المشهد السياسي والتعددية والأحزاب

رغم كل هذه التحديات التي أتينا عليها في الحلقة السابقة، فقد عاشت سورية فترة من الحكم التعددي والديمقراطي، والانفتاح الاقتصادي، حتى دعيت سورية بـ”يابان الشرق”، لِتُعرف الفترة اللاحقة، باسم “فترة الحكم الوطني”، الذي كان عماده الرئيس، (الحزب الوطني وحزب الشعب(، المنبثقان عن (الكتلة الوطنية)، التي قادت البلاد إلى الاستقلال، غير أنّ ما عكّر صفو تلك المرحلة، تدخل الجيش والانقلابات العسكريّة بدءًا من عام (1949 – 1952).

ما بين عام 1943 – 1956، جرى تسييس الشباب السوري، في مراحل التعليم الثانوي والجامعي، وانعكس ذلك إيجاباً على الحياة السياسية في سورية، غير أنه أخذ في كثير من الحالات، طابعاً مناطقياً، وطائفياً، وعرقياً، بتوجيه من السياسيين المتنفذين، الذين عجت بهم الساحة السياسية السورية آنذاك.

ففي دمشق نما الحزب الوطني، حيث كان يمثل البرجوازية التجارية، ومصالح الإقطاعيين. وكذلك الحال في حلب، نما حزب الشعب، الذي كان يمثل المصالح التجارية، والمالية، والإقطاعية، للمتنفذين والعوائل الكبيرة. بينما انتشر الحزب العربي الاشتراكي، الذي كان يقوده (أكرم الحوراني)، في الأرياف والمناطق الفقيرة، في ريف حماة خاصة، وتمكن حزب البعث، من استقطاب أعداد من الطلاب والمعلمين، في دمشق ومحيطها، ثم إن الحزبين (العربي الاشتراكي والبعث العربي)، اندمجا فيما بعد عام 1952، وأصبح اسم هذا الحزب، (البعث العربي الاشتراكي)، وقد ركز على كسب الأقليات الطائفية، وأصبح ينافس الحزب الوطني، وحزب الشعب.(1)

في تلك الفترة، تنادى الإسلاميون، إلى تكوين حركة تجمعهم، فكان لهم ذلك عندما أعلن عام 1945، عن قيام جماعة الإخوان المسلمين، بزعامة الدكتور، الشيخ (مصطفى السباعي)، التي ضمت في صفوفها، العديد من الشخصيات البارزة في المجتمع، ونخبه المثقفة المتدينة، ثم ما لبث أن أصبحت لها قواعد مهمة، في معظم المدارس الثانوية، وطلاب الجامعات، في كل أنحاء سورية، حتى غدت منافساً قوياً لأحزاب، البعث، والوطني، والشعب.

وفي المقابل، تشكل الحزب القومي السوري، برئاسة (أنطون سعادة)، الذي كان ينادي بالقومية السورية، واستقطب أطيافاً من المسيحيين، وبعض الأقليات، وخاصة العلويين، والحزب الشيوعي، برئاسة (خالد بكداش)، وانضم إليه عدد من الأقليات العرقية، والحزب التعاوني الاشتراكي، بقيادة فيصل العسلي، الذي تركزت قواعده في دمشق وريفها.

ورغم كل ما ذكرناه آنفاً، فقد حافظ الشعب السوري على طابعه العربي الإسلامي، وقد بولغ كثيراً، بوصف هذا التنوع  البشري الجميل والرائع، بالأكثرية والأقليات والطوائف، فكل الدراسات السكانية، التي أجرتها المؤسسات المختصة، العربية والدولية، تشير إلى أن 78% من الشعب السوري من المسلمين السنة، وأن من بينهم 69% عرب سنة، وباقي السكان من أقليات عرقية، ودينية، وطائفية، تعيش مع السنة وهم الأكثرية، بحب ووئام وتعاون، في تعايش سلمي فريد، كان محط إعجاب وتقدير، من كل المهتمين بالشأن السوري، إذ لم تُسجل حالة واحدة، تعكر صفو هذا التعايش السلمي، منذ استقلال سورية، وحتى اغتصاب السلطة من قبل حزب البعث عام 1963. وقد شهد بذلك البنك الدولي في أحد تقاريره، حول الحالة الاقتصادية في سورية، الصادر في (تشرين أول 1951)، يقول فيه:

“إن وضع سورية بين دول الشرق الأوسط هام، فالشعب متجانس عرقياً، ودينياً، بشكل جيد، مما يسهل عملية التوحيد والدمج”.

أما الأكراد، وهم في غالبيتهم مسلمون سنة، فيعدون نحو 8% من الشعب السوري، ربعهم في الجزيرة السورية، وكثير منهم، أقاموا في ريف حلب، وحماة، وحمص، ودمشق، والساحل، والغاب، منذ قرون، وانسجموا مع المحيط العربي، الذي عاشوا بينه، مستخدمين اللغة العربية، وكان من بينهم دعاة للقومية العربية البارزين، كساطع الحصري، ومفكرين كان لهم دور بارز في المحافظة على العربية، كالشيخ عبد الرحمن الكواكبي، الذي نادى بالخلافة العربية، وشدد على مكانة العرب، داخل إطار الأمة الإسلامية، ومحمد كرد علي، مؤسس المجمع العلمي العربي بدمشق، ووزير المعارف، وكان منهم قادة وطنيون، قادوا أهم الثورات على المحتل الفرنسي، كالقائد إبراهيم هنانو. كما برز منهم شخصيات هامة، وصلت إلى سدة رئاسة الدولة، مثل اللواء فوزي سلو، والعقيد أديب الشيشكلي، ورئاسة مجلس الوزراء، مثل محسن البرازي، وغيرهم كثير، ممن تبوؤوا مراكز حساسة في الدولة والجيش.

وهناك أقليات من التركمان، والشركس، والداغستانيين، والأرمن، الذين لجأوا إلى سورية، هرباً مما عانوه من ظلم في بلدانهم، ويشكلون نسبة 3% من عدد السكان.

وهناك العلويون، الذين يشكلون نحو 8%، والذين كانوا على مدى تاريخ سورية الحديث، يشغلون العديد من المناصب العليا، في الدولة والجيش. إلى جانب المسيحيين، الذين يشكلون نحو 6%، من عدد السكان، والذين كان من بينهم، نخبة من المثقفين، ورجال أعمال، وتجار، وموظفين كبار، وسياسيين وطنيين، يشار إليهم بالبنان، كفارس الخوري، الذي تسلم رئاسة البرلمان، ورئاسة الوزارة ثلاث مرات، ووزيراً للأوقاف، وكان مندوباً لسورية في الأمم المتحدة.

ويشكل الدروز نسبة 3%، من عدد السكان، وكان لهم شرف قيادة الثورة السورية الكبرى على الفرنسيين، بشخص سلطان باشا الأطرش، فيما يشكل الإسماعيليون نسبة 1%، والشيعة نسبة 001%، من السكان(2).

وهذا الواقع الفسيفسائي الجميل الذي كانت عليه سورية، يؤكد أننا كنا على الدوام دعاة مواطنة وليس دعاة طوائف وأقليات.

لقد كانت التعددية الحزبية، ضرورة من ضرورات النظم الاجتماعية الحديثة، فهي عماد الحياة الديمقراطية، التي تتجسد في البرلمان – السلطة التشريعية – الذي يسن القوانين، ويراقب السلطة التنفيذية – الحكومة – ويسهر على مصالح الشعب، ويعمل على تحقيق أمانيه وطموحاته.

والأحزاب أداة من أدوات التنظيم في عالم اليوم المتمدن، فهي السبيل إلى رسم السياسات التي تنتهجها البلاد، على المستوى الداخلي والخارجي، والتفاعل مع الحالة الاجتماعية والاقتصادية للبلاد. وعادة ما يقوم الحزب، على فكرة تنتهجها مجموعة من الناس، يسعون إلى تحقيقها، بما يخدم مصالح الوطن والمواطنين، وعادة ما يكون الحزب، هو المناخ الصحي، لتكوّن الحكام والقادة، الذين يتمرسون – من خلال عملهم السياسي، واحتكاكهم بالمجتمع، وتحسسهم لآلامه وآماله – بالخبرة والمعرفة والتجربة.

ومن هنا نجد، أن العديد من الشخصيات الوطنية والشبابية، أخذت تسعى لتشكيل الأحزاب في البلاد، لتستقطب الجماهير، حول أهدافها وشعاراتها وبرامجها.

لقد كانت سورية في مقدمة الدول العربية، في نشر الصحافة وتأسيسها، فلسورية تجربة ثرية، في مجال الإعلام، فقد ولدت الصحافة فيها من أيام العهد العثماني، وتبلورت مع قيام الحكم العربي فيها، عام 1918م، وتطورت كمّاً وكيفاً، بعد إعلان الاستقلال والجلاء، وقيام الأحزاب.

لقد كانت الديمقراطية، بعد إعلان الاستقلال والجلاء، كالجنين ينمو ببطء، وكان لابد من التخلص من هذه القيود، وهذا الإرث، بحكمة وأناة وصبر، ولكن كان للشباب نزقه، فكثيراً ما كانت تختلط الأماني بتحقيق الحرية والديمقراطية، بالفوضى والتجاوزات.

لقد كانت القائمة الحزبية في سورية منذ الاستقلال، تضم عدداً كبيراً من الأحزاب، والحركات، والتحالفات.

ونقتصر هنا في الحديث عن الأحزاب ذات الفاعلية والمؤثرة على الحياة السياسية والمجتمع السوري، وعلى الشكل التالي:

1-الحزب الشيوعي السوري(3)

يعتبر الحزب الشيوعي السوري من أعرق الأحزاب في سورية قدماً, وأطولها عمراً، فقد بدأ ظهوره لأول مرة عام 1922م على نطاق ضيق ومستوى محدود جداً، ولم يلق في بادئ الأمر استجابة أو دعماً من الاتحاد السوفييتي. وفي أيلول سنة 1925م تم تأسيس الحزب الشيوعي (السوري اللبناني)، وتألفت لجنة مركزية له ضمت كل من:

(يوسف يزبك، وفؤاد شمالي، وأرتين مادويان، وهيكازون بوياجيان (أرمنيان)، وإلياس فاخر، وآكوب بيتلا (يهودي روسي قدم من فلسطين إلى بيروت وانتخب سكرتيراً عاماً وكان اسمه في الحزب الرفيق شامي).

أما في دمشق فقد تأسست أول خلية شيوعية على يد شاتيلا فانضم إليها (خالد بكداش) سنة 1930م عقب تخرجه من الجامعة، ومنذ أواسط الثلاثينات حتى نشوب الحرب العالمية الثانية لعب الحزب الشيوعي السوري دوراً بارزاً في تعزيز الحركة الشيوعية، وفي نشر الأفكار الشيوعية في البلاد العربية. (وإذا ما رجعنا إلى وثائق الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، رأينا قادة هذا الحزب ينكرون عروبة العرب، وينكرون كل التاريخ العربي، ويحاربون تراثنا الفكري والروحي. ويعود ذلك إلى أسباب متعددة أهمها أن هذا الحزب لم يكن وليد حاجة قومية وتعبيراً عن مطامح وطنية، وإنما نشأ بصورة مفتعلة وبعوامل خارجية في أوساط الأقليات القومية في البلاد العربية، وأن تاريخه هو تاريخ التبعية المطلقة للحزب الشيوعي اليهودي في فلسطين فالحزب الشيوعي الفرنسي فالحزب الشيوعي السوفييتي. ولهذا فهو لم يعرف الاستقلال يوماً، ولم يفكر تفكيراً عربياً قط).

تعاون هذا الحزب مع حكم البعث في عهد الرئيس حافظ الأسد وانضم إلى ما سمي بالجبهة الوطنية التقدمية التي تدور في فلك حزب البعث.

-الحزب القومي الاجتماعي السوري

لقد كان تقسيم سورية الطبيعية بعد الحرب العالمية الأولى إلى أربع كيانات سياسية (سورية، ولبنان، وفلسطين، والأردن) مخيباً لآمال الوطنيين السوريين، الذين ارتضوا أن يكونوا إلى جانب الإنكليز ضد العثمانيين على أمل أن يكونوا دولة واحدة يرفرف عليها علم واحد ويحكمها زعيم واحد، فرفضوا رفضاً قاطعاً هذا التقسيم، وسعوا إلى توحيد هذه الكيانات المصطنعة، ولكن الزعماء العرب في تلك المنطقة لم يصلوا إلى اتفاق يمكنهم من تسوية خلافاتهم ويوحدهم في وجه التدخل الأجنبي.

وفيما عارض الوطنيون السوريون الفرنسيين وأعوانهم من الذين قبلوا التجزئة الداخلية، أخذ بعض الزعماء اللبنانيين يحيون رموزاً فينيقية أو بحر – متوسطية، للدلالة على شخصيتهم المستقلة في محاولة للإبقاء على وجود لبناني منفصل.

وفي ضوء هذا الواقع أسس أنطون سعادة الحزب القومي السوري الاجتماعي في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين، كحزب إقليمي ينحصر مجال نشاطه في سورية الطبيعية (سورية ولبنان وفلسطين والأردن).

وكانت غاية الحزب الدعوة إلى وحدة (سورية الكبرى) أو (الهلال الخصيب) وبعث نهضة قومية سورية اجتماعية تكفل تحقيق تطلعاتها، وتعيد إلى الأمة السورية حيويتها وقوتها.

وسنتحدث في الحلقة القادمة إن شاء الله عن الحزب القومي الاجتماعي السوري.

-المراجع-

1-انظر الصراع علي السلطة في سوريا ص/165 وما بعدها / وحماة مأساة العصر : نشر التحالف الوطني لتحرير سوريا / ص 149).

2-حسب ما ورد في كتاب جورج سمنة (سورية) نقلاً عن كتاب وجيه كوثراني-بلاد الشام-ص(27-28).

3-مجيد خضوري-الاتجاهات السياسية-ص(121-122).

_________

هذا المقال  يعبر  عن رأي كاتبه و لايعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

عن admin

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *