الأحد , 30 أبريل 2017

الحرة للانباء: أدوية الالتهاب الكبدي سي لا تصل إلى الفقراء

 

إن دليل المبادئ العامة الأول لمعاجلة فيروس الالتهاب الكبدي سيHCV الذي صدر في الأسبوع الثاني من إبريل الماضي، وظهور العقاقير التي يمكنها أن تُشفِي معظم الإصابات الفيروسية، جعلت الباحثين في مجال الصحة العامة يتذكرون كيف مرّوا بموقف مثل هذا من قبل.

بعد ثلاثة عقود من الصراع في محاولة لتخفيض كلفة عقاقير فيروس نقص المناعة البشرية (حيث انخفضت الأسعار من 10000 دولار أمريكي سنويًّا للمريض الواحد في التسعينات إلى أقل من 100 دولار أمريكي في أواسط العقد الأول من القرن الحالي)، الآن يتساءل الباحثون من جديد كيف يمكن تخفيض الكلفة الباهظة للعقاقير المنقِذة للحياة، بحيث يتمكن كل المرضى من الحصول عليimageها.

يؤكد ستيفان ويكتور ـ وهو رئيس البرنامج العالمي لفيروس التهاب الكبد الوبائي في منظمة الصحة العالمية في جنيف بسويسرا، والمؤلف الرئيس لدليل المبادئ العامة (انظر: go.nature.com/bwhguw) ـ قائلًا: «مررنا بهذا من قبل». من الممكن أن يحدث نجاح مشابه لما حدث مع عقاقير فيروس نقص المناعة البشرية، كما يقول آندرو هيل، وهو اختصاصي عقاقير في جامعة ليفربول في المملكة المتحدة: «لو وُجدت النية السياسية لفعل هذا».

منذ اكتشافه في 1989، يُصيب الالتهاب الكبدي سي ما يقارب 185مليون شخص في العالم، أكثر من %80 منهم يعيشون في بلدان ذات دخل منخفض أو متوسط (انظر: العبء الفيروسي). على سبيل المثال.. فإن ما يعادل %15 من سكان مصر مصابون بالداء. وهذا الفيروس الذي ينتقل عبر الدم هو أحد الأسباب الرئيسة لسرطان وتشمع الكبد.

 

للأسف تم تجاهل معظم هذه الحالات، وذلك لأن العلاجات المتوفرة لم تعمل بشكل جيد، وكانت غالية نسبيًّا، لكن ثمة مزيج دوائي مكوَّن من عقار مضاد للفيروس اسمه «ريبافيرين»، وعقار يؤثر على جهاز المناعة يُدعى «إنترفيرون» كفيل بشفاء أقل من %50 من المرضى بعد سنة، رغم أن له تأثيرات جانبية، إذ إنه يسبب الغثيان، والإنهاك، وحتى الاكتئاب.

من المتوقع أن يتغير كل هذا.. أولًا، توجد سلالة جديدة من أدوية التهاب الكبد الوبائي تهاجم الفيروس مباشرة، وقد حصلت على موافقة جهات الأدوية في الولايات المتحدة وأوروبا في 2011؛ وتمكنت من رفع معدلات الشفاء إلى %75 مع أنها لم تُلغِ الحاجة كليًّا إلى المعالجة بمزيج الريبافيرين- إنترفيرون. وفي الشهور الأخيرة وافق المرخِّصون على عقارين يمكنهما شفاء معظم حالات الالتهاب الكبدي سي بعد 3 أشهر، ولا يتطلب الأمر عقار إنترفيرون في معظم الحالات.
كبر الصورة
Source: K. M. Hanafiah et al. Hepatology 57, 1333–1342 (2013)

وقد أثار العجبَ سعرُ هذين العقارين، حتى في البلدان الغربية، حيث التأمين الصحي الخاص ونظام الصحة العام كفيلان عادةً بتولِّي تكاليف العلاج. وكان سعر الحبة الواحدة من عقار سوفوسبوفير Sofosbuvir الذي صنعته جايليد سايينسس Gilead Sciences في فوستر سيتي بكاليفورنيا 1000 دولار أمريكي في شهر ديسمبر الماضي، أي أن كلفة المعالجة التي تستمر لمدة 12 أسبوعًا ستصل إلى 84000 دولار أمريكي. أمّا جانسين فارماسوتيكالز Janssen Pharmaceuticals ـ ومقرها في بييرس ببلجيكا ـ فقد حددت سعر عقارها سيمبريفر بقيمة 66000 دولار لفترة المعالجة نفسها. إن هذه الأسعار لا تلائم الدول ذات الدخل المنخفض أو المتوسط، لكن من غير الواضح كيف سينخفض السعر إلى الحد الذي يسمح لهذه الدول بالحصول عليه، وفقًا لما يقوله ويكتور.

إن العقاقير المضادة للفيروسات المتقهقرة التي تُبْقِي فيروس نقص المناعة البشرية قيد السيطرة لم تصل إلى الدول الأقل ثراءً، إلا بعد ممارسة ضغوط من قِبَل وكالات غير حكومية، وأكاديميين ومرضى. وقد أثبت مُصنِّعو الأدوية الجنيسة أن بمقدورهم إنتاج الأدوية بأثمان أرخص، وتَقَدَّم الممولون، مثل الصندوق العالمي لمكافحة مرض نقص المناعة البشرية، والسل والملاريا؛ لدفع التكاليف، حتى إن بعض البلدان ـ مثل البرازيل وتايلاند ـ أصدرت ما يُدعى «رخصًا إجبارية» لتصنيع نُسَخ نوعية من عقاقير فيروس نقص المناعة البشرية، متجاهلين بذلك براءات الاختراع.

إنّ هذه الخيارات ستصبح متاحة لعقاقير الالتهاب الكبدي سي، حسبما يقول ويكتور: «إن المنافسة والإنتاج النوعي هما حقًّا المفتاحان اللذان سيقودان إلى تخفيض الأسعار». وفي مارس الماضي، أعلنت جايليد عن صفقة مع مصر؛ لتزويدها بسوفوسبوفير بكلفة قدرها 900 دولار، مقابل خطة علاجية مدتها 12 أسبوعًا. يقول هيل: «أعتقد أن هذا رائع كخطوة أولى، لكنها الخطوة الأولى فقط». ويضيف بقوله إن معالجة كل حالات الالتهاب الكبدي سي في مصر ستجرِّد ميزانية الدولة السنوية المخصصة للرعاية الصحية مما يعادل 4.5 مليار دولار.

يقول جريج آلتون نائب الرئيس التنفيذي للشؤون التجارية والطبية في جايليد إن الشركة تجري مفاوضات مع عدة شركات هندية مُصنِّعَة، وذلك لإنتاج نسخة من عقار سوفوسبوفير. ووفقًا لتقرير صادر عن المؤسسة الخيرية «أطباء العالم» ـ ومقرها باريس ـ ستتوفر الأدوية الجنيسةً لستين بلدًا أغلبها ذات دخل منخفض، ولكن ليس للعديد من الدول متوسطة الدخل التي ترزح تحت وطأة الإصابة الكبيرة بفيروس الالتهاب الكبدي سي. وفي هذه الأثناء، فإن المجموعة الخيرية غير الربحية المسماة «مبادرة الأدوية، الوصول، والمعرفة» الموجودة في نيويورك قد أقامت دعوى ضد دائرة براءات الاختراع في الهند، تطالب فيها بمنع جايليد من الحصول على براءة اختراع لسوفوسبوفير.

إن أدوية فيروس الالتهاب الكبدي سي الجنيسة قليلة الثمن أصبحت في متناول اليد. ففي تحليل صدر في فبراير الماضي نُشر في دورية «الأمراض المعدية الإكلينيكية» قارن هيل وفريقه كلفة إصدار أدوية جنيسة لفيروس نقص المناعة البشرية، وطبقوا هذا التحليل على الكلفة المحتملة لأدوية الالتهاب الكبدي سي. (A. Hill et al. Clin. Infect.Dis 58, 928-936, 2014) وقد قدّروا أن مُصنِّعي الأدوية الجنيسة سيتمكنون من إنتاج الدواء بكلفة 100- 250 دولارًا لعلاج مدته 12 أسبوعًا، لكن حتى مع مثل هذه الأسعار فإن المصنعين المقلِّدِين لن يصنعوا أدوية فيروس الالتهاب الكبدي سي إلا إذا كان هناك طلب كبير عليها، وفق ما يقوله هيل.

لم يعرب المتبرعون الكبار بعد عن نِيّتهم في الدفع مقابل هذه العقاقير. ورحّبت مؤسسة يونيتايد UNITAID ـ ومقرها جنيف ـ بدليل منظمة الصحة العالمية، لكنها ذكرت أن الوصول إلى العقاقير سيعتمد على وجود طرق تشخيصية رخيصة. يقول ويكتور: «من المحتمل أن يؤول الأمر إلى الدول نفسها في أنْ تموِّل برامجها، ولكن سيكون من شأن هذا العامل أن يضع الكثير من القيود».

تقول جنيفر كون، المديرة الطبية لبرنامج «الوصول إلى الدواء» في المؤسسة الخيرية «أطباء بلا حدود» في جنيف إن الدول ذات الدخل المتوسط تواجه أكبر العراقيل، إذ إن المتبرعين العالميين يسحبون دعمهم بشكل متزايد من هذه الدول، ومن المرجح أن يرى مصنّعو الأدوية ـ كجايليد مثلًا ـ أن أسواق هذه الدول غير ملائمة لمنتجاتهم؛ وبالتالي يمكنهم أنْ يستثنوها من صفقات تراخيص الأدوية الجنيسة.

تقول كون إن هذه البلدان يجب أن تفكر في التراخيص الإجبارية، مثلما فعلت بلدان عدة بعقاقير فيروس نقص المناعة البشرية. إن منظمة التجارة العالمية تحظر مثل هذه الممارسات، إلا في حالات معينة، بهدف أن تضمن أسعارًا معقولة للأدوية؛ وذلك لحماية صحة عامة الناس.

إنّ الكلفة ليست هي العائق الوحيد.. فالأنظمة الصحية في معظم الدول غير مجهزة لتشخيص الداء؛ وإعطاء الدواء على نطاق واسع. يقول ويكتور إن المجتمع الصحي العالمي سيضيّع فرصةً كبيرة، لو لم يتمكن من حل مشكلة توصيل الدواء إلى المرضى، ويتابع بقوله: «هناك أناس يموتون من تشمُّع الكبد، ومن سرطان الكبد، لكنْ من الممكن منع حدوث هذه الوفيات».

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى
Translate »