السبت , 21 أكتوبر 2017

العملة التركيّة بدلاً من السوريّة على مبدأ “فتت لعبت”

اقترحت مجموعة “اقتصاديّين” تُطلق على نفسها “نقابة الاقتصاديين السوريين” بالتعاون مع “المجلس المحلي بحلب” أن يبدأ كل من يملك مبلغًا زائدًا عن 10 آلاف ليرة سورية من السوريين بتحويل الفائض للعملة التركية، وذلك في ندوةٍ اقتصادية طرحت مبادرةً لتبديل الليرة السورية بالليرة التركية في المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، قاصدةً بذلك ما وصفته بأنّه “عمليّة ضغطٍ على النظام لتسريع تهالكه”.

ويخلص المقترحون من هذه الفكرة “الغريبة” بحسب محلّلين أنّها “ستؤدّي إلى تجميع العملة غير المقرونة برصيد من الذهب أو القطع الأجنبي في المدن التي ستبقى خاضعةً للنظام السوري، ممّا سيؤدّي إلى انهياره اقتصاديّاً”، كما أنّ هذا المقترح برأيهم “سيحدّ من التقلبات الكبيرة في سعر صرف العملة السوريّة في مناطقهم”، مع أنّ اختصاصيّين أكّدوا أنّ “أقلّ العالمين بالاقتصاد يعرف تماماً أنّه من شأن ذلك أن يضع سوريا بشقّيها الخاضع للنظام والمُحرّر من قبل المعارضة أمام انهيارٍ مالي وجنوح عالٍ في أسعار الصرف ما سيؤثّر فقط على لقمة المواطنين الذين بنسبٍ كبيرة منهم يتقوّتون على رواتبهم التي يتحصّلون عليها من مؤسسات النظام”.

واقترح “الاقتصاديّون” الليرة التركيّة دون غيرها ليُجازوا ما أسموه الإحسان بآخر مثله، من دون أن يعوا بحسب محلّلين اقتصاديّين أنّ “العملة المُقترحة ليست أفضل حالاً ولا أكثر استقراراً من السوريّة وإن كان بنسبٍ أقل، وبدا ذاك جليّاً عندما انخفضت بمعدل 9% أمام الدولار فور إعلان نتائج الانتخابات البرلمانيّة، مما يعني أنّها أيضاً غير مستقرّة وقابلة للزيادة أو النقصان بفعل ما تمرّ به تركيّا من أزمةٍ سياسيّة قد تتفاقم في حال تأخّر الوصول إلى اتفاقٍ بين أحزابها”.

واستشهد “الاقتصاديّون” بسيناريو “انهيار قيمة العملة العراقيّة”. “تمدّن” التقت عدداً من المحللين الذين أكّدوا أنّ “انهيار العملة جاء بالمرتبة الأولى نتيجة الحصار الاقتصادي الذي واجهته البلاد لسنواتٍ عديدة آنذاك، وكان من الواضح لمن يستطيع استشراف التقلبات الماليّة في أسعار الصرف أنّ العراقيّين لم يلجؤوا إلى التعامل بالدولار طواعيّةً كما يروّج “اقتصاديّونا”، بل إنّ الاحتلال الأمريكي هو الذي فرض ذلك من خلال تحكّمه بالموارد النفطيّة وأجور العاملين ومرتّبات المتعاملين معه، وهم كُثُرٌ، مستخدماً الدولار، للإمعان في القضاء على المقدّرات الماليّة العراقيّة وخلق التبعيّة المستمرّة”.

وعزا “الاقتصاديّون” سبب اختيار الليرة التركيّة أيضاً إلى أنّ الجار التركي بلدٌ مسلمة، وليست بلاد كفر كأمريكا صاحبة الدولار، ومن العجيب حسب محلّلين في العلوم الماليّة أن تربط دولة، وخصوصاً إذا كانت منهكةً بفعل الحرب، عملتها بعملة بلدٍ يربط عملته بعملة أًخرى، فدائماً ما تتّجه الاقتصادات الضعيفة والناشئة للرّبط بعملة قويّة تؤثّر أكثر ممّا تتأثّر، كما أنّ الأكثر عجابةً من ذلك أن تُقام العلاقات الاقتصاديّة على مبدأ الكفر والإيمان في طرحٍ أقلّ ما يمكن وصفه بأنّ فيه من التخلّف والرجعيّة ما يمكن تسميته بـ “الدعشنة الماليّة”، بحسب وصف المحلّلين.

الناشط “عبد الرحمن كحيل” وهو اقتصادي شدّد على “عدم صوابيّة المقترح” خلال حديثه لـ “تمدّن” قائلاً: “أشك أن هناك دراسة حقيقية حول الموضوع لأنّ التبريرات التي تُقدّم لذلك لا تمت للاقتصاد بصلة، وهي غير منطقية، وليست من نتاج اقتصاديّين، على مبدأ “طجّت لعبت” ،هم يتحجّجون أن العملة السورية دون رصيد، وهذا خاطئ جملة وتفصيلاً كوسيلة للقياس، لأن معظم عملات العالم ليس لها رصيد ذهب بل تأخذ قيمتها من قوّة الحكومة المالية التي تصدرها، ثمّ إنّ التعامل بالعملة التركيّة ليس من الضروري أن يكون ردّاً بالاحسان كما وصفوه، لأنّ قيمة العملة تُحدد وفق آليّة التوازن بين العرض والطلب، وهناك حالات قد يكون من الضار بالنسبة للعملة التركية زيادة الطلب عليها، وهذا يحدّده البنك المركزي التركي لا نحن”، مضيفاً: “من أطلق المبادرة في معظمهم مشايخ شرعيون وحقوقيّون وقلّة منهم كانوا اقتصاديّين، وهذه المبادرة لن تنجح لأنّها ليست قائمة على أُسس اقتصاديّة صحيحة، إنّ انهيار العملة السوريّة سيؤدّي إلى التضخّم وسينعكس سلباً على المواطن السوري”.

وقال “الاقتصاديّون” أنّ التعاون يجري على قدمٍ وساق لتنفيذ الخطة مع المجالس المحليّة والحكومة المؤقّتة، فردّ اختصاصيّون ماليّون أنّه “ليس للحكومة المؤقّتة أيّة مشاريع اقتصاديّة مهمّة أو ذات أثر تغييري على طول المناطق الخاضعة للمعارضة، وليس لديها من الكفاءات والموارد ما يمكّنها من ذلك، بغضّ النظر عن كونها لا تمون على الفصائل المقاتلة على الأرض في تنفيذ هذه الأطروحة، وكان حريّاً بها أن تفكّر بالأزمة الاقتصاديّة التي تعصف برواتب موظفيها قبل أن تشارك في تدمير عملة بلدٍ يعيش جلُّ مواطنيه عليها كأداةٍ للتبادل، وأي تغيّرٍ سيطرأ عليها من شأنه إثخان جراح مقدّراته القليلة أصلاً”.

“عمر الحبال” مهندس مدني يعمل في التجارة والصناعة قال في حديثه لـ “تمدّن”: “هناك آثار سلبية عديدة، منها أضرار فورية ومنها آثار مستقبلية؛ فالعملة هي جزء من الدولة وليس النظام، ثمّ إنّ عدداً كبيراً من السوريّين الذين يعيشون في المدن المحرّرة، ويتقاضون أجورهم بالليرة السورية، وهبوطها بسبب التحول إلى الليرة التركية سيجعلهم ناقمين على الثورة ورافضين لها”، مضيفاً: “هنالك مجموعات من التجار تخسر في تبديل العملة في تجارتها النظامية أو غير النظامية مع تركيا، وثمّة من يقبضون مبالغ كبيرة بالليرة التركية، لذلك يُطالبون بأن تكون الليرة التركية بدل الليرة السورية لمصالح شخصية، لو كان هؤلاء الاقتصاديون فعلاً جدّيين فليفتحوا البنك المركزي في إدلب وليقوموا بتنظيم وإدارة الليرة السورية لا تدميرها، ونحن بدورنا أطلقنا حملة #لالليرة_التركية”.

يذكر أنّ العملة السوريّة يتمّ التلاعب بسعر صرفها وفقاً لأهواء المتنفّذين من النظام الحاكم في “دمشق”، وبالصورة التي تخدم مصالحهم التجاريّة، وشهدت تقلباتٍ غير متوازنة في السنوات الأربع المنصرمة، إلا أنّ هذا التلاعب لم تظهر نتائجه سوى على المواطن السوري الذي بات بين تلاعب النظام السارق لمقدّراته وخطط المعارضة فقيرة الكفاءة والأهليّة، التي لا تميّز بين ما يؤذي النظام وما يؤذي طفلاً جائعاً سيزيد انهيار العملة في ابتعاده عن حلم زجاجة الحليب التي سنشتريها بعملة “مسلمة” من دولةٍ “كافرة”.

المصدر : صحيفة تمدن

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى
Translate »