السبت , 24 يونيو 2017

لماذا تموت الأمم والدول والحضارات؟ ما هي بالضبط اسباب سقوطها وانهيارها؟

هذه قضية كبرى، اهتم بها المؤرخون والمفكرون وعلماء السياسة عبر العصور واجتهدوا في تقديم الاسباب والعوامل التي تفسر موت الامم من زوايا وجوانب شتى. الاهتمام بهذه القضية ليس مبعثه فقط محاولة الفهم والتفسير، ولكن لسبب آخر هو الاكثر اهمية.
فهم اسباب انهيار وموت الدول والامم والحضارات يقدم الاجابة للتساؤل المقابل.. كيف تحيا الامم؟ أي كيف يمكن لها ان تتجنب مصير الانهيار والموت والفناء؟ بالضبط بنفس معنى ان فهم اسباب المرض ومعرفة اعراضه هو ضرورة اساسية لمعرفة العلاج ووصفه للمريض.
وهذه قضية تهمنا بداهة في الوطن العربي اليوم على ضوء مظاهر التدهور والانهيار التي نشهدها في المرحلة الحالية التي تمر بها الامة.
ويستحيل ان نقدم ولو تلخيصا لكل ابعاد الجدل حول هذه القضية وما قدمه المؤرخون والمفكرون والعلماء من اجابات على هذه السؤال الكبير. لكن سنقدم على الاقل لمحة عامة لما قدموه تعطي صورة عامة للجوانب الاساسية المثارة بهذا الخصوص وتقدم الافكار الكبرى التي طرحت.
***
معنى موت الأمم
ماذا يعني بداية موت او انهيار الدول والامم والحضارات؟ قبل كل شيء، يجب ملاحظة ان «موت« الدول في بعض الحالات يكون علامة لحياة جديدة اكبر. نقصد تحديدا عندما تذوب الدولة في كيان وحدوي اكبر شأنا واكثر قدرة ومنعة ومكانة. وفي اوروبا مثلا يدور جدل واسع حاليا حول مصير ومستقبل الدولة في اوروبا في ظل تسارع الخطوات نحو قيام كيان اوروبي موحد كبير. وبالمثل، لو ان الدول العربية الحالية او بعضها ذاب في كيان عربي اكبر، لن يكون هذا انهيارا او موتا للدولة بالمعنى المقصود، لكنه سيكون بالعكس ميلادا جديدا للأمة.
موت الامم قد يعني موتها بالمعنى الحرفي المباشر، أي اختفاءها المادي من الوجود. وفي تاريخ البشرية نماذج كثيرة لأمم وحضارات قامت وازدهرت ثم اختفت من الوجود. لكن المثال الابرز الذي يرد فورا الى الذهن هنا هو دولة العرب والمسلمين في الاندلس التي عاشت لثمانية قرون كاملة متصلة ثم اختفت من الوجود.
غير ان موت او انهيار الدول والامم ينصرف ايضا الى معنى آخر غير معنى الاختفاء المادي الفعلي. الامم قد توجد على قيد الحياة، لكن بلا وزن ولا تأثير ولا دور فاعل في عالم التقدم والمكانة بكل معانيها وسط الامم الاخرى ومقارنة بها.
عموما، لنر كيف ناقش المفكرون والعلماء قضية موت وحياة الامم.
***
مع ابن خلدون
أي نقاش لقضية تفسير انهيار وموت الدول والامم لدى المفكرين لا بد ان يبدأ من العلامة العربي الكبير ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع المعاصر في العالم كله. ابن خلدون كان في طليعة المفكرين الذين ناقشوا القضية في عمله الخالد «المقدمة«، وقبل ان يتطرق اليها المؤرخون والمفكرون في الغرب بزمن طويل.
وحقيقة الامر ان هؤلاء المؤرخين والمفكرين عندما ناقشوا القضية بعد ذلك تأثروا بشدة بابن خلدون وافكاره بهذه الدرجة او تلك كما سنرى حالا. ماذا يقول ابن خلدون اذن عن هذه القضية؟
في رأي ابن خلدون، الدول لها دورة حياة مثلها بالضبط مثل الانسان.. أي تولد، ويقوى عودها وتشتد، وتهرم، ثم تموت. وبالنسبة اليه، الدولة تقوم على العصبية. والعصبية في مفهومه ليست مرادفا للمعنى الضيق المباشر الذي يرد الى ذهن البعض، لكنها تعني بتعبيراتنا المعاصرة الروح الوطنية والقومية. والعصبية التي تقوم عليها الدولة هي في رأيه تتعزز بالدين وهما متلازمان. في رأيه ان «الدعوة الدينية تزيد الدولة في اصلها قوة على قوة العصبية«. العلاقة الوثيقة بين الدين والعصبية في قيام الدول وفي تفسير قوتها لدى ابن خلدون هي مرادف لما نقوله اليوم من تلازم لا غنى عنه بين العروبة والاسلام.
وابن خلدون قدم تصورا متكاملا لمراحل تطور الدول من قيامها حتى موتها. هذا التصور يقوم على ان الدول تمر بخمسة اطوار:
الطور الاول: طور القيام والنشأة. حيث «ان مجموعة من الناس اصحاب عصبية جاهدت وقاتلت حتى حصلت على الملك تجد انهم في المرحلة الاولى مجتمعين لان الملك حصل لهم جميعا فبينهم تعاون وتضافر وتلاحم«.
والطور الثاني: هو ما يسميه طور الاستبداد والاستئثار بالسلطة والسلطان
والطور الثالث: طور الفراغ والدعة لتحصيل ثمرات الملك.
والطور الرابع: طور الخنوع والمسالمة والتقليد للسابقين بحيث «يقول الانسان ان ما كان عليه آباؤه واجداده هو السليم«.
والطور الخامس: هو الاسراف والتبذير واصطناع قرناء السوء وابعاد الصالحين الناصحين.
وكما نرى، فان ابن خلدون قدم تصورا لمراحل الانهيار التدريجي للدول، وسبب الانهيار في كل مرحلة الى ان ينتهي الامر بزوال الدولة.
بعض المفكرين العرب اخذ على ابن خلدون انه قدم نظرية لقيام وتطور الدول وموتها باعتبارها قدرا حتميا، ومن ثم فلا مجال لإصلاح او انقاذ الدولة من الموت. فطالما ان هذه هي دورة الحياة الحتمية للدولة، فان المعنى الضمني المفهوم ان أي جهد او اصلاح لن ينقذها في نهاية المطاف من مصيرها المحتوم. لكن الحقيقة ان هذا حكم تعسفي الى حد كبير. ذلك ان حرص ابن خلدون على ان يحلل ويفسر اسباب وعوامل الانهيار التدريجي يعني بداهة ان معالجة هذه الاسباب وتجنب دواعي الانهيار هذه كفيل بأن ينقذ الدولة من الانهيار.
وعلى العموم لو اعدنا قراءة هذا العرض المبسط جدا لتصور ابن خلدون، سنكتشف فورا الاسباب التي تقف في رأيه وراء انهيار وموت الدول.
***
نظرية توينبي
المؤرخ البريطاني الكبير ارنولد توينبي من اكبر من قدموا اسهاما في دراسة القضية.. قضية انهيار الحضارات. وهو بالمناسبة تأثر جدا بابن خلدون، وسجل بنفسه ذلك. كتب يقول: ان المجال الذي اختاره ابن خلدون بجهوده العقلية يبدو انه كان سابقا فيه، فلم يطرقه احد من اسلافه. ولم يكن له منافسون من معاصريه. وتعد مقدمته في فلسفة التاريخ بلا شك اروع انجاز من نوعه ابدعه عقل في أي زمان او مكان.
توينبي قضى كل حياته الفكرية تقريبا في دراسة هذه القضية بالذات. وقدم للفكر الانساني عمله الموسوعي الضخم «دراسة للتاريخ« في 12 مجلدا. درس في موسوعته هذه قصة صعود وسقوط الامم والحضارات في العالم. ودرس تحديدا قصة 22 حضارة في تاريخ البشرية. ذلك ان تاريخ البشرية بالنسبة لتوينبي هو تاريخ الحضارات وليس تاريخ الدول المتفرقة الصغيرة.
ونظرية توينبي في قيام وصعود وسقوط الحضارات بسيطة للغاية. يطلقون عليها «نظرية التحدي والاستجابة«. بالنسبة اليه، الحضارات تقوم وتصعد استجابة لتحديات محددة سواء كانت هذه التحديات مادية او اجتماعية. وفي تحليله ان الحضارة عندما تصل الى مرحلة تعجز فيها عن الاستجابة للتحديات التي تجابهها، فانها تدخل في مرحلة الانهيار.
لكن ما الذي يجعل حضارة تعجز عن الاستجابة للتحديات؟ في رأي توينبي ان السبب الاساسي لهذا العجز هو عندما تفقد الحضارة قوتها الاخلاقية والقيمية والروحية، أي عندما تشهد انهيارا قيميا واخلاقيا ودينيا.
في تحليل توينبي ان هذا الانهيار القيمي والاخلاقي والديني يقود الى الجمود، والى العجز عن الابتكار والتجديد والابداع، ومن ثم العجز عن مواجهة التحديات. حين يحدث هذا، تشهد الامة او الحضارة ما يسميه توينبي «شرخ في الروح« يقود الى موت القدرة الروحية والاخلاقية على الابداع والتجديد ومجابهة التحديات. هذه هي وباختصار شديد جدا ملامح نظرية توينبي في تفسير انهيار الحضارات وسقوطها. وهو بناء على نظريته هذه، يقسم مراحل تطور الحضارات الى خمس مراحل. ونلاحظ تأثره الشديد هنا بالتقسيم الذي قدمه ابن خلدون.
1- مرحلة الميلاد والنشأة.
2 – مرحلة الازدهار والتوسع السريع.
3- مرحلة الجمود والعجز عن التطور والابداع والتجديد.
4- مرحلة الانحلال والتدهور الاخلاقي.
5- مرحلة السقوط والانهيار.
اذن، جوهر نظرية توينبي يقوم على ان الامم والحضارات تموت اساسا بسبب عوامل داخلية. وفي القلب من هذه العوامل الداخلية انهيار القيم والقوة الاخلاقية. ولقد لخص هو بنفسه القضية برمتها في عبارة بليغة حقا عندما قال: «الحضارات لا تموت قتلا، وانما تموت انتحارا«.
***
.. ونظرية ويل ديورانت
ايضا المؤرخ الامريكي العظيم ويل ديورانت مثله مثل توينبي قضى عمره في دراسة قصة تطور وصعود وسقوط الحضارات في تاريخ البشرية. وليس غريبا ان النظرية التي خرج بها في تفسير انهيار وسقوط الحضارات والامم لا تختلف كثيرا عن نظرية توينبي، بل هي تكاد في الحقيقة تتطابق معها
ديورانت لخص بنفسه ملامح نظريته في مقال شهير له عنوانه «ما هي الحضارة؟«. في تحليله ان هناك مقومات محددة تقوم عليها الحضارة بالضرورة هي:
1- وجود نظام سياسي
2- وجود شكل من اشكال الوحدة في اللغة كي تكون وسيلة اتصال وتفاعل عقلي وثقافي.
3- لا بد من وجود معايير قيمية واخلاقية متعارف ومتفق عليها كي تكون موجها وهاديا وحافزا.
4- وجود دين او عقيدة اساسية حاكمة.
5- وجود نظام تعليمي ينقل القيم والثقافة الى الاجيال الجديدة. وفي رأي ديورانت، فان اختفاء او انهيار بعض هذه المقومات، واحيانا انهيار واحد منها فقط يمكن ان يدمر الحضارة ويقود الى انهيارها
وفي كتابات اخرى كثيرة، يضع ديورانت الانهيار الاخلاقي والديني والاخلاقي في مقدمة عوامل سقوط الحضارة. يقول: «الحضارات العظيمة لا تنهزم الا عندما تدمر نفسها من داخلها. والاسباب الاساسية لانهيار روما مثلا والحضارة الرومانية تكمن في شعبها واخلاقياته، وصراع فئاته وطبقاته، والاستبداد الذي عرفته.. وهكذا«. ويقول ايضا: «قبل عصرنا الحالي، لا توجد امثلة في التاريخ لمجتمع استطاع ان يسمو اخلاقيا في حياته من دون مساعدة اساسية من الدين«.
***
.. وافكار اخرى
بالاضافة الى امثال هؤلاء المؤرخين والمفكرين العظام، هناك كثيرون جدا من الكتاب والمؤرخين الاخرين الذين ناقشوا القضية وادلوا بدلوهم فيها. هذه بعض نماذج محدودة من اسهامات كتاب ومؤرخين توقفت عندها.
ادوارد جيبون، مؤرخ ومؤلف لكتاب «انهيار وسقوط الامبراطورية الرومانية«. جيبون حدد بدوره خمسة اسباب تفسر في رأيه انهيار وموت الامم. هذه الاسباب هي:
1- انهيار مكانة وقدسية البيت والاسرة باعتبار انها هي اساس المجتمع الانساني. 2- فرض الضرائب المرتفعة، وانفاق المال العام على الكماليات والامور المظهرية. 3- ما يسميه تحول المتعة الى اشكال من الجنون. مثال ذلك ان تصبح الرياضة عاما بعد عام اكثر عنفا ووحشية.
4- انهيار المسئولية الفردية. أي احساس الفرد بمسئوليته تجاه المجتمع.
5- انهيار مكانة الدين في المجتمع، وكقوة مرشدة وموجهة وهادية لأبناء المجتمع تفكيرا وقيما وسلوكا.
لورد ما كولاي، مؤرخ وكاتب انجليزي عاش في القرن التاسع عشر. كتب بدوره عن قضية انهيار وموت الامم واسباب ذلك. في رأيه ان الامم تمر في اعمارها عبر مراحل مختلفة هي على النحو التالي:
1- من العبودية الى الايمان الروحي.
2- من الايمان الى البسالة والشجاعة الفائقة.
3- من الشجاعة الى الحرية.
4- من الحرية الى الوفرة.
5- من الوفرة الى الاستكانة والرضا الفائق عن النفس.
6- من الاستكانة الى الانانية المفرطة.
7- من الانانية الى الاستهتار واللامبالاة.
8- من الاستهتار الى التبعية.
9- من التبعية الى العبودية مجددا
بالطبع من السهل من هذا الترتيب الذي وضعه لمراحل تطور الامم ان نعرف الاسباب التي حددها والتي تقود الى انهيارها وموتها.
***
هذه عزيزي القارئ بعض من النظريات والافكار التي طرحها المؤرخون والمفكرون في محاولاتهم الاجابة عن السؤال: لماذا تنهار الأمم وتموت؟ قبل ان اقدم بعضا من الافكار الاخرى بهذا الخصوص. لا بد من الاشارة الى ما قاله مولانا جلال الدين الرومي. فهو في جملة واحدة بليغة معبرة حقا لخص في حقيقة الامر كل هذا الجدل وان لم يفصل.
قال مولانا الرومي: الامم تموت عندما لا يصبح بمقدورها ان تميز بين الحق والباطل.
ماذا يعني كل هذا الجدل بالنسبة لحال امتنا العربية اليوم؟

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى
Translate »