الخميس , 14 ديسمبر 2017

المراقب العام الأول للإخوان في سوريا الدكتور مصطفي السباعي

 

 

 

محمد فاروق الإمام

إن تناول حياة الرجال العظماء الذين رسخوا قواعد دعوة الإسلام المعاصرة، ليست مادة تطرح من أجل الاطلاع أو التسلية أو تزجية الأوقات بل إن مراجعة تلك الحيوات والأحداث والتصرفات هي مادة للتأمل، والتعلم، والاتعاظ، ومن ثم مادة للافتخار، والاعتزاز بوجود مثل هؤلاء الرعيل الأول، الذين آلوا على أنفسهم إلا أن يحملوا أمانة الدعوة إلى الله في وقت ترزح فيه البلاد تحت نير الاستعمار.

وليس مصادفة أن يكون عام 1933 عام لقاء قائد دعوة الإسلام في سورية الدكتور مصطفي السباعي مع الإمام الباني الفذ “حسن البنا” حيث أعجب به، وبدعوته، ووجد فيه بغيته وضالته، وفي دعوته وطريقته ما كان يبحث عنه في سورية ، قبل حضوره إلى مصر في ذلك العام إنها ترتيبات الأقدار الربانية الحكيمة أن ينجم عن هذا اللقاء انتقال الفكرة والحركة، وطريقة لعمل الدعوة من مصر إلى سورية.

هو مصطفى بن حسني السباعي من مواليد مدينة حمص في سورية عام 1915، نشأ في أسرة علمية عريقة معروفة بالعلم والعلماء منذ مئات السنين، وكان والده وأجداده يتولون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وقد تأثر بأبيه العالم المجاهد والخطيب البليغ الشيخ حسني السباعي الذي كانت له مواقف مشرّفة ضد الأعداء المستعمرين، حيث قاومهم بشخصه وجهده وماله.

كما كان أحد محبي الخير ومؤسسي الجمعيات الخيرية الإسلامية والمشاريع الاجتماعية، مما كان له الأثر الكبير في نشأة ابنه مصطفى السباعي.

تميَّز السِّباعي منذ نعومة أظفاره بالنَّباهة والذَّكاء وحبِّ العلم، فحفظ القرآن وهو صبيٌّ، وتلقَّى ألوان العلوم الشَّرعية على يد والده، وكان مصطفى يصحب أباه إلى مجالس العلم، التي يحضرها علماء حمص أمثال طاهر الريس و سعيد الملوحي و فائق الأتاسي و راغب الوفائي ،ويشهد مناقشاتِ العلماء، وكان أولئك العلماءُ يحدبون عليه ويهتمون به، ويعطونه ما يسألهم عنه من المسائل العلمية، والأدبية، والاجتماعية، فكان لذلك أثرٌ كبيرٌ في وعيه بالأحداث والقضايا التي كانت تمرُّ ببلده سورية والأمة الإسلامية.

أنهى السِّباعي دراسته الأوَّلية والشَّرعية في مدارس حمص عام 1930، وكان الأوَّل على زملائه، وفي عام 1932 سافر إلى مصر والتحق بالأزهر، وانتسب إلى قسم الفقه، ونال الإجازة من كلِّية أصول الدِّين بتفوُّق.

وحين خطب للزواج أخبر الخاطبون أهل الفتاة أن السباعي مشغول في معظم أوقاته بأعباء الدعوة الإسلامية، ليكونوا على علم بذلك فوافقوا وتمت الخطبة.

شارك السباعي في مقاومة الاحتلال الفرنسي لسورية، وكان يوزع المنشورات ويلقي الخطب ويقود المظاهرات في حمص وهو في السادسة عشرة من عمره، وقد قبض عليه الفرنسيون واعتقلوه أول مرة عام 1931 بتهمة توزيع منشورات في حمص ضد السياسة الفرنسية، كما اعتقل مرة ثانية من قبل الفرنسيين أيضاً، بسبب الخطب الحماسية التي كان يلقيها ضد السياسة الفرنسية والاحتلال الفرنسي، وآخرها خطبة الجمعة في الجامع الكبير بحمص حيث ألهب حماس الجماهير وهيج مشاعرهم ضد الفرنسيين، بل قاوم الفرنسيين بالسلاح حيث قاد مجموعة من إخوانه في حمص وأطلقوا الرصاص على الفرنسيين رداً على اعتداءاتهم.

وفي عام 1933 ذهب إلى مصر للدراسة الجامعية بالأزهر، وهناك شارك إخوانه المصريين عام 1941 في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني كما أيد ثورة رشيد عالي الكيلاني في العراق ضد الإنجليز، فاعتقلته السلطات المصرية بأمر من الإنجليز مع مجموعة من زملائه الطلبة، وبقوا في المعتقل قرابة ثلاثة أشهر، ثم نقلوا إلى معتقل (صرفند) بفلسطين حيث بقوا أربعة أشهر، ثم أطلق سراحهم بكفالة.

وكان الشيخ السباعي في فترة الدراسة تلك قد تعرَّف إلى الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام للإخوان المسلمين بمصر، وظلت الصلة قائمة بينهما بعد عودته إلى سورية، حيث اجتمع العلماء والدعاة ورجال الجمعيات الإسلامية في المحافظات السورية وقرروا توحيد صفوفهم، والعمل جماعة واحدة وبهذا تأسست منهم (جماعة الإخوان المسلمين) لعموم القطر السوري، وقد حضر هذا الاجتماع من مصر الأستاذ سعيد رمضان ، وكان ذلك عام 1942، ثم بعد ثلاث سنوات أي في عام 1945 اختار الجميع الأستاذ مصطفى السباعي ليكون أول مراقب عامللإخوان المسلمين في سورية.

وفي عام 1944 ذهب السباعي إلى الحج لأول مرة وفي عام 1947 أنشأ جريدة (المنار) حتى عطلها حسني الزعيم بعد الانقلاب العسكري الذي قاده بتدبير ودعم من الأمريكان عام 1949.

ولقد عمل السباعي وإخوانه على إدخال مواد التربية الإسلامية إلى المناهج التعليمية، كما سعى لإنشاء كلية الشريعة في الجامعة السورية، ثم شرع في إنشاء موسوعة الفقه الإسلامي التي أسهم فيها العلماء من جميع أنحاء العالم الإسلامي لتقديم الفقه الإسلامي في ثوب جديد، يعالج قضايا العصر ويحل مشكلاته على ضوء الكتاب والسنة وفقه السلف الصالح، واجتهاد العلماء الذين يملكون وسائل الاجتهاد وأدواته.

واختارت دمشق الدكتور مصطفى السباعي نائباً في الجمعية التأسيسية عام 1949 وهو ابن حمص ولم يمض على إقامته في دمشق سوى بضع سنين، وسرعان ما لمع نجمه كبرلماني شعبي متفوق، إذ كان الصدى الحقيقي المعبر لأماني الشعب وآلامه، والصوت المدوي الذي يصدع بالحق ولا يداري، ويقارع الباطل ولا يهادن، وبترفع عن المكاسب والمغانم ولا يساوم، فاتجهت إليه الأنظار والتفَّت حوله القلوب، وانتخب نائباً لرئيس المجلس، وأصبح عضواً بارزاً في لجنة الدستور.

وقد بُذلت له العروض بإلحاح وإغراء، للدخول في الوزارات المتعاقبة فرفضها، مؤثراً العمل الشعبي والعيش مع مشكلات الجماهير وقضاياها، وكان عضواً في لجنة الدستور وأحد الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور، ولقد قاد معركة القرآن تحت قبة البرلمان، كما قاد المظاهرات في دمشق من أجل الدستور، وتمكن السباعي وإخوانه من استبعاد الطابع العلماني عن الدستور، وفرض الطابع الإسلامي على معظم أحكامه الأساسية سنة 1950.

قال الأستاذ السباعي في كتابه القيم “دروس في دعوة الإخوان المسلمين“: “نحن نعتقد أن كل نظام صالح في العالم، لا يمكن أن ينتفع به ما لم تؤيده حكومة حرة قوية صالحة، ومن أجل ذلك آمن الإخوان المسلمون بوجوب تحرير العالم العربي والعالم الإسلامي من الاستعمار مهما كان شكله أو لونه، كما آمنوا بتوحيد البلاد العربية في الوطن العربي الكبير والتعاون مع البلاد الإسلامية والصديقة بأي شكل من أشكال التعاون الذي يحقق قوة العالم الإسلامي ونجاته من الاستعمار ونهوض شعوبه من الفقر والجهل والتأخر، وفي سبيل هذه الغاية عمل الإخوان المسلمون في حقل القضايا العربية والإسلامية بنشاط لم يعهد في غيرهم من الهيئات والجماعات”.

وفي نفس هذا العام عام 1950 عُيِّن السباعي أستاذاً في كلية الحقوق بالجامعة السورية، وفي عام 1951 حضر الدكتور السباعي المؤتمر الإسلامي العام، الذي انعقد في باكستان وحضرته وفود من جميع أنحاء العالم الإسلامي، كما ذهب السباعي في العام نفسه إلى الحج للمرة الثانية، وفي عام 1952 تقدم السباعي إخوانه بطلب إلى الحكومةالسورية للسماح لهم بمشاركة إخوانهم المصريين لمحاربة الإنجليز في قناة السويس، فما كان من رئيس الحكومةأديب الشيشكلي إلا أن أمر بحل جماعة الإخوان المسلمين واعتقال السباعي وإخوانه وإلقائهم بالسجن.

ثم أصدر أمره بفصل السباعي من الجامعة السورية وأبعده خارج سورية إلىلبنان.

وفي عام 1953 عقد المؤتمر الإسلامي العام في القدس وحضره ممثلو الإخوان المسلمين من جميع الأقطار، وكذا الجمعيات وممثلو الشعوب الإسلامية، وفي السنة نفسها زار مصر.

وفي عام 1954 عقد المؤتمر الإسلامي المسيحي في بحمدون بلبنان، وشارك فيه السباعي للرد على أعداء الإسلام من المستشرقين والصليبيين، كما حضر الاجتماع الذي دعا إليه الأستاذ حسن الهضيبي ـ المرشد الثاني للإخوان المسلمين ـ في لبنان، حيث ضم قادة الإخوان المسلمين في البلاد العربية، والذي حضره مصطفى السباعي عن سورية.

وبعد عودة الهضيبي إلى مصر واعتقاله من الطغمة العسكرية الحاكمة فيهـا مع جميع الإخوان المسلمين، شكل الإخوان المسلمون في البلاد العربية مكتباً تنفيذياً تولى الدكتور مصطفى السباعي رئاسته، وفي عام 1955م ذهب الدكتور السباعي مع أساتذة وطلاب الجامعة السورية إلى الحج وهي المرة الثالثة بالنسبة له.

وفي السنة نفسها أسس مع إخوانه (مجلة الشهاب .. العدد الثاني |مجلة الشهاب) الأسبوعية، والتي استمرت في الصدور إلى قيام الوحدة مع مصر عام 1958، وفي العام نفسه حصل على ترخيص إصدار مجلة (المسلمون) الشهرية بعد توقفها في مصر، وظلت تصدر في دمشق إلى عام 1958 حيث انتقلت إلى صاحبها د.سعيد رمضان في جنيف بسويسرا، فأصدر السباعي بدلها مجلة (حضارة الإسلام الشهرية) وظل السباعي قائماً على هذه المجلة حتى توفاه الله، حيث تولى إصدارها د. محمد أديب الصالح بدمشق.

وفي عام 1956 عقد المؤتمر الإسلامي بدمشق وفي السنة نفسها أوفدته الجامعة السورية إلى ديار الغرب لزيارة الجامعات الغربية والاطلاع على مناهج الدراسات الإسلامية فيها، فزار إيطاليا، وبريطانيا، وإيرلندا، وبلجيكا، وهولندا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفلندا، وألمانيا، والنمسا، وسويسرا، وفرنسا، واجتمع فيها بالمستشرقين وناقشهم في مؤلفاتهم عن الإسلام وكشف لهم أخطاءهم العلمية والتاريخية.

وفي عام 1957 ذهب السباعي مع عمداء الكليات في الجامعة السورية إلى روسيا بدعوة من جامعة موسكو زار خلالها معظم الجامعات الروسية في مختلف الأقاليم، والتقى أساتذة الدراسات الشرقية والتاريخية والاجتماعية، وناقشهم وفنَّد مقولاتهم وأبطل مزاعمهم الخاطئة عن الإسلام والمسلمين.

وقد حدد الأستاذ السباعي في كتابه “دروس في دعوة الإخوان المسلمين”  الأهداف والمهمات وميادين الإصلاح، حيث نادت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالإصلاح السياسي، والكفاح الوطني، وإزالة آثار الاستعمار، ورفع الظلم عن العمال والفلاحين، وإنشاء المدارس والمعاهد، والأندية الرياضية، والمخيمات الكشفية، ومراكز الفتوة الجوالة في مختلف المحافظات، وكان الأستاذ السباعي هو القائد العام للفتوة، كما قام الإخوان المسلمون بتشكيل لجان الإصلاح بين الناس، وتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية، والخيرية، وزيارة القرى والأرياف.

واستمر السباعي القائد يمنح دعوته وجماعته من شبابه المتوقد، وحيويته النادرة، وعقله الجبار، وعبقريته الفذة، وروحه القوية، وكل ذرة من جهده ووقته؛ حتى سقط من الإرهاق الذي لو سلط على جبل كبير لصدعه، ولكن السباعي القائد لم يستسلم للمرض، ولم تفتر همته للآلام المبرحة المضنية فبقي يمد الجماعة، ودعوتها بقوة معنوية من قلبه الكبير، وبتوجيه سديد رشيد من عقله الحكيم، حتى آخر لحظة من حياته رحمه الله.

كان السِّباعي طاقة عظيمة، بدأت معالمها تظهر وهو تلميذٌ، حين كان يكتب المنشورات السِّياسية مندِّداً بالاستعمار وأعوانه، وينوب عن أبيه في خطبة الجمعة، فيحرِّض على جهاد المحتلّ، وذلك دفع السُّلطات الاستعمارية إلى اعتقاله أول مرَّة وهو ابن ستَّة عشر عاماً، ثم أطلقته نتيجة الهياج الشَّعبي الذي استنكر اعتقالَها إياه، ثم ما لبثت أن اعتقلته ثانية عام 1932ولبث في السِّجن ستَّة أشهر.

وكان وهو ابن اثنتي عشرة سنة يقرأ مجلة الفتح) القاهرية ويراسل صاحبها محب الدين الخطيب، فلما صار في مصر، بادر بالاتِّصال بعلمائها وادبائها، وكان فيمن سعى إليه الشيخ حسن البنا، وتعرَّف دعوة الإخوان، وانتسب إليها، وصار من أبرز أعضائها، ونشط بين طلاب المعاهد والجامعات، يحرضهم على الإنكليز المحتلين، ويقودهم في المظاهرات، فاعتقله الإنجليز مرَّتين، الأولى كانت عام 1934 ، والثانية عام 1941، عاد بعدها إلى حمص ليمارس نشاطه السِّياسي ضد الاستعمار، فأعادت السُّلطات الفرنسية اعتقالَه ونقلته إلى بيروت، ليُمضي في سجن (قلعة راشيا) ثلاثين شهراً، أشغالاً شاقة، وتعذيباً وتجويعاً، وهو صابرٌ محتسب.

وبعد إطلاقه عاد إلى حمص، واشتغل بالتَّدريس وذلك عام 1944، فدرَّس مادَّتي اللُّغة العربية والتَّربية الإسلامية في ثانويات حمص، وشارك في تأسيس (الرَّابطة الدِّينية)، ثمَّ انتقل إلى دمشق، فأسَّس (المعهد العربي الإسلامي)، وكان أولَ مديرٍ له، وشارك في تأسيس (جمعية شباب محمَّد) و(جمعية الشُّبان المسلمين).

وفي عام 1945 شارك مع عدد من إخوانه في تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في سورية، وكان أولَ مراقبٍ عامٍّ لها، فكان قائداً فذاً في تاريخ القادة والزعماء.

وفي العام نفسه 1945، قاد الثَّورة المسلَّحة على الاستعمار الفرنسي في مدينة حمص، وأطلق الرَّصاصة الأولى إيذاناً بالكفاح المسلَّح، حتى يتحقَّقَ جلاء المستعمر عن أرض الوطن، وتمَّ ذلك عام 1946.

وفي عام 1948 قاد السِّباعي مجاهدي الإخوان المسلمين السُّوريين، وشارك بهم في حرب فلسطين، وخاضوا ضد اليهود معارك ضاريةً على مشارف القدس ، وكان لهم شرف الإبقاء على عروبة القدس الشرقية، والحفاظ على المسجد الأقصى المبارك.

وفي عام 1949 خاض السِّباعي الانتخابات عن مدينة دمشق، ونال أكثر الأصوات، وكان أحد الأعضاء البارزين في الجمعية التَّأسيسية، وفي لجنة الدُّستور التي وضعت أولَ دستور لسورية بعد الاستقلال، ثم صارت الجمعية برلماناً، وانتُخب السِّباعي نائباً للرئيس.

وفي عام 1950 عُيِّن مدرِّساً للحقوق في الجامعة السُّورية (جامعة دمشق الآن)، ثم صار رئيساً لقسم الفقه ومذاهبه في الكلِّية.

وفي عام 1955 أسس كلية الشَّريعة بجامعة دمشق، بعد أن خاض معركةً شرسةً ضد العلمانيين الذين حاولوا الحيلولة دون ذلك، وكان أول عميد للكلِّية. كما كان صاحب مشروع (موسوعة الفقه الإسلامي) الذي جاهد من أجله طويلاً، وصار رئيساً له.

وفي عام 1956 أوفدته الجامعةُ إلى ديار الغرب في رحلةٍ علمية، فزار تركية، وإيطالية، وبريطانية، وبلجيكا، وهولندا، والدنمارك، والنرويج، والسويد، وفنلندة، وألمانية، والنمسة، وسويسرة، وفرنسة.. وقد أكسبته هذه الرحلة ورحلته التَّالية إلى موسكو خبراتٍ علميةً وتربوية، وحكمةً عمليةً ونظرية.

وفي عام 1957 حصل السِّباعي على (47%) من الأصوات في الانتخابات التَّكميلية، ونجا من محاولة اغتيال. وفي العام نفسه جُدِّد انتخابه رئيساً لمكتب الإخوان للبلاد العربية.

وبعد عودته من رحلته العلمية إلى الاتحاد السوفيتي عام 1957 هجم عليه المرضُ هجمة عنيفة، شلَّ نصفَه الأيسر وأثَّر في حركته، وكانت بفضل الله تعالى مدة مرضه من أبرك الأوقات، فقد تفرَّغ للعلم، وأتحف المكتبة الإسلامية بروائع الكتب والمحاضرات.

كان السِّباعي طويلاً، زاده الله بسطةً في العلم والجسم، جميلَ الخِلقة، متناسبَ الأعضاء، خفيفَ اللحية، أشقرَ البشَرة والشَّعَر، بسَّام المحيَّا، مَهِيبَ الطَّلعة، دائب الحركة، مع وقار لا يفارقه، عذبَ الحديث مع فكاهة محببة، يتمتَّع بتواضعٍ جمٍّ في لباسه وهندامه، مع أناقةٍ ظاهرةٍ فيهما.

وهو ذو ذوقٍ رفيعٍ، يقوم على خدمة إخوانه وضيوفه بنفسه، وذو إحساسٍ مرهف، وملاحظةٍ دقيقة، وذكاءٍ حاد، وبديهةٍ نبيهة، وفطنةٍ وفصاحةٍ وجرأةٍ أدبية، وشجاعةٍ لا تعرف للخوف باباً، وكرمه كرم من لا يحسب للفقر حساباً. وكان عفيف اليد واللسان، منفتحاً على الآخرين، يثق بإخوانه ولا يتَّهم الناس في نياتهم.

وكان قارئاً نهماً، يحرص على قراءة ما تخرجه المطابع من الكتب عن الغرب والشرق، فأفاد من علوم الغرب وأدبه، وأخذ المفيد منها، وترك الضَّار ونبه عليه.

وكان مؤمناً بالله ورسوله أشدَّ الإيمان، ومع ذلك كان ينصح الآخرين بالعمل بما يراه الأطبَّاء؛ لأن الإيمان درجات.

يقول متحدِّثاً عن نفسه في مجلَّة (حضارة الإسلام): “كان (السِّباعي) أوَّل من حمل لواء الدَّعوة إلى مناهضة الشُّيوعية في بلادنا بعد إطلاق سراحه من الاعتقال -خلال الحرب العالمية الثانية- في وقت كان الحلفاء الغربيون يتعاونون مع روسيا للقضاء على خطر هتلر، حتى كانت سفاراتهم هي التي تنقل النَّشرات الشُّيوعية وتوزِّعها على الناس بكل ما أوتيت من نفوذ، وكان رجالُ الدَّولة عندنا يحضرون احتفالات الشيوعيين، ويقفون عند سماع النَّشيد الشُّيوعي الرَّسمي، كما يقفون تماماً عند النَّشيد السُّوري الرَّسمي”.

“في هذا الوقت بالذَّات –عام 1942- كان السِّباعي يلقي المحاضرات العامَّة علناً ضدَّ الشيوعية، وكان يستمع إليه عشرات الألوف”.

لقد كان السِّباعي من ألدِّ أعداء التَّطبيق الستاليني للاشتراكية.
وعندما كان يرأس تحرير (المنار) شنَّ حملةً عنيفةً على الشيوعية، على مبادئها، وسياستها، وتخريب الأحزاب الشيوعية للُحمة المجتمعات العربية، وإشاعة الإلحاد والمجون.

ولكن السِّباعي أدرك الأثر الاستراتيجي الدولي للاتحاد السوفيتي في دعم حركات التَّحرر العربية، في زمن السَّنوات الحارَّة للحرب الباردة، إذ ارتبط عداؤه للرأسمالية بعدائه للغرب، فرحب بالتَّعاون السِّياسي بين البلدان الإسلامية والاتحاد السوفيتي الذي يساعد البلاد لعربية في مواجهتها مع الاستعمار الغربي.

يرى السِّباعي أنَّ الرأسمالية والشُّيوعية، نتاج الحضارة الغربية، وإليها ينتميان، وهي حضارة ماديَّة لم تلبِّ الاحتياجات الرُّوحية للبشر.

وقد طاف السِّباعي في عدد من الدُّول الغربية والشرقية وعرف المستشرقين عن قرب، وعلم ما تخبِّئه صدورُهم من أحقاد دفينة ضدَّ الإسلام وأهله، وخَبَر الحياة الغربية، واتَّخذ موقفه منها على علم.

كان للعروبة مكانةٌ رفيعةٌ في نفس السِّباعي، وكثيراً ما كان يُطرب أسماع المستمعين لخطبه بهذا النداء: يا أبناء العروبة والإسلام.. فيقرن العروبة بالإسلام والإسلام بالعروبة في خطبه وكتاباته كلِّها، وقد أهمَّه العرب كما أهمَّه المسلمون، وناضل من أجل أن تتحرَّر الأقطار العربية من الاستعمار، وساعد قادة التَّحرر، وأيَّد الجامعة العربية، ونادى بالوحدة العربية تحت راية الإسلام، ثم أيد الوحدة بين سورية ومصر مع كل الجراح التي أنزلها النظام النَّاصري به وبإخوانه في مصر.

وكان يرى أن تقوم القوميةُ العربية على أساس من قيم الإسلام الرُّوحية، وتعاليمه الأصيلة، وتراثه الحضاري الخالد، ورفض أن تكون وعاءً للعلمانية أو أن تكون بديلاً عن الإسلام، كما ينادي البعث والقوميون العرب.

كما يرى أن الأمة العربية المسلمة هي وحدها المؤهَّلة للنُّهوض بالعمل الحضاري المرتقب، لحمل حضارة الغد، وعليها أن تأخذ بالأسباب لتحقيق ذلك.

كان اهتمام السِّباعي بالمرأة كبيراً، وكان تقديره لأثرها في الحياة العامَّة والدَّعوة خاصَّة، عالياً، وقد قال:  لا بدَّ للحركة الإسلامية المعاصرة من أن تشارك فيها المرأة”.

فهو لا يرى مانعاً من أن تشارك المرأة في عملية الانتخاب، ناخبة ومرشَّحة. وقد شارك مع مجموعة من العلماء في إصدار فتوى تجيز مشاركة المرأة في الانتخاب.

ومع ذلك يقول: ”فإني أعلن بكلِّ صراحة، أن اشتغال المرأة في السِّياسة، يقف الإسلام منه موقف النُّفور الشَّديد، إن لم أقل التَّحريم، لا لعدم الأهلية، بل للأضرار الاجتماعية التي تنشأ عنه، وللمخالفة الصَّريحة لآداب الإسلام“.

ومن أراد الوقوف على تفصيلات آرائه في المرأة ككل، فليراجع كتابه القيِّم (المرأة بين الفقه والقانون).

يرى السِّباعي أن الوقت قد حان لتقارب المسلمين، وتفاهمهم وتعاونهم، بعدما مضى وانقضى ما كنَّا نختلف عليه، فقد انتهت كل عوامل الفرقة.

يقول: “ومن الواضح أن السَّبب الذي بدأت به الفرقة، وهو الصِّراع حول الأحقِّ بالخلافة، ورئاسة الدَّولة، لم يعد موجوداً في عصرنا هذا، بل منذ عصورٍ كثيرة، فقد أصبحنا جميعاً تحت سلطة المستعمرين، فلم يبق مُلْكٌ نتقاتل عليه، ولا خلافةٌ تختلف من أجلها، وذلك مما يقتضي جمع الشَّمل، وتقريب وجهات النظر، وتوحيد كلمة المسلمين على أمر سواء، وإعادة النَّظر في كل ما خلَّفته تلك المعارك من أحاديث مكذوبةٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصفيائه وحملة شرعه، وحاملي لوائه.

وقد بدأ علماء الفريقين في الحاضر يستجيبون إلى رغبة جماهير المسلمين في التَّقارب، ودعوة المفكرين إلى التَّصافي، وأخذ علماء السُّنة بالتقارب عملياً، فاتجهوا إلى دراسة فقه الشِّيعة، ومقارنته بالمذاهب المعتبرة عند الجمهور.

ولكنَّ الواقع أن أكثر علماء الشِّيعة لم يفعلوا شيئاً عملياً حتى الآن، وكل ما فعلوه هو جملةٌ من المجاملات في النَّدوات والمجالس، مع استمرار كثيرٍ منهم في سبِّ الصَّحابة وإساءة الظنِّ بهم، بل إن بعضهم يفعل بخلاف ما يقول، فبينما هو يتحمَّس في موضوع التَّقريب بين السُّنة والشِّيعة، إذا هو يصدِّر الكتب المليئة بالطَّعن في حقِّ الصَّحابة ممن هم موضع الحبِّ والتَّقدير من جمهور أهل السُّنة”.

“ولو سألتهم: فيم هذا كلِّه؟ لما كان إلا جواباً واحداً: إننا ندافع عن حقٍّ سُلب من أصحابه!

فهل في تاريخ العالم كلِّه أمةٌ شُغلت بنزاعٍ بين أجدادها، مضى منذ أربعة عشر قرناً، وقد انتهوا إلى ذمة الله، وهو وحده الذي يحكم بينهم فيما كانوا فيه يختلفون؟

هل في العالم اليوم أمةٌ تحترم نفسها، وتغار على كرامتها، تشتغل بخلافٍ عفا عليه الزمن، وعن أخطارٍ محدقةٍ بها من كلِّ مكان؟

فهلا آن الأوان لأن تقوم فينا مجامع ومؤسسات، لتتبُّع آثار المؤامرات، وأهدافها ووسائل تنفيذها!”.

كان الإصلاح الاقتصادي من أولويات اهتمامات السباعي؛ لأن الاستقلال الاقتصادي أساسٌ للاستقلال السياسي، وبالإصلاح الاقتصادي الذي شرح نظريته بإسهاب وتفصيل في كتابه البديع (اشتراكية الإسلام) تتجنَّب البلاد ما نادى به الاشتراكيون فيما دعوه (الصِّراع الطَّبقي) الذي يفرِّق الشَّمل ويمزِّق الشَّعب.

ولهذا كوّن (الجبهة الإسلامية الاشتراكية) في برلمان 1950 ودعا إلى سنِّ قوانين اقتصاديةٍ تحول دون الصِّراع الطَّبقي، وتقارب بين الفئات الفقيرة والغنية، وهو يرى أن اشتراكيةالإسلام لو طبِّقت في مجتمعنا لاستفاد منها جميعُ المواطنين، من مسلمين ومسيحيين، إنها ثروة تشريعية رائعة، لو أشرفت على تطبيقها عقولٌ مرنةٌ نيرة، لكان منها أروع نظام يستهوي القلوب والأنظار.

وُلد مصطفى السِّباعي وترعرع في بيت علمٍ ودين، يتلى فيه كتاب الله، وتقام فيه مجالس العلم، فسمع ووعى، ثم خرج إلى مجتمع المسلمين فهاله ما رأى من جهلٍ وابتداعٍ في دين الله، فبادر إلى انتقادها علناً وعلى رؤوس الأشهاد، فثار عليه من ثار من الجهلة والمبتدعة، فلم يأبه لهم، وكان له بفضل الله تعالى جهودٌ مثمرةٌ في القضاء على كثيرٍ من البدع في المجتمع منها: خميس المشايخ، وليلة النصف من شعبان.

مصطفى السِّباعي ابنُ عصره، عرَف زمانه، واستوعب تياراتِه، من خلال رؤية إسلامية واعية، لا تبهره المظاهرُ، ولا يخدعه المخادعون والمنافقون والدجالون الذين يروِّجون للفنون الرَّخيصة، ويزيِّنونها للمراهقين والمراهقات، ففي كتابه (هكذا علمتني الحياة) يقول: ”الفنُّ قيثارة الشيطان”وكتب: ”ليس صدفة ولا عن حسن نيَّة أن توجَّه طاقات شبابنا وبناتنا إلى الرَّسم والرَّقص والغناء، ويكون ذلك محورَ التَّوجيه في الصَّحافة والإذاعة والتلفزيون من حيث لا توجَّه طاقاتهم ولا عبقرياتهم إلى العلم والصناعة والاختراع. إنها خطَّة استعمارية تُنفَّذ من أموال الشَّعب على أيدي بعض الأغرار من المراهقين والمراهقات”.

ويبيِّن الدكتور السِّباعي وجهة نظره فيما كتب بقوله: ” ليست هذه حملةً على الفنِّ بمعناه العلمي.. ولكنها حملةٌ على هذا الغناء المنحلِّ، وعلى هذا الرَّقص الفاجر المثير، حين يطلق على هذا وذاك اسم (الفن) ويذهبون إلى تمجيده، والإشادة به، وتسليط الأضواء على كل ماجن مستهتر، استهواءً لشبابنا وفتياتنا، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى استهوائهم بالبطولات في مختلف ميادينها.

أما الرَّسم، فمع تسليمنا بأنه نوعٌ من التَّعبير الإنساني عن حقائق الحياة، ننكر إعطاءه هذه الأهميَّة البالغة، كما يفعل الغربيون، فدينُنا، وحضارتُنا، وعقيدتُنا التي تقدر حقائقَ الأشياء لا مادَّتها، تختلف عن الغربيين في هذا الأسلوب من التَّعبير عن القيم والحقائق.. كما ننكر الدِّعاية له، على أنَّه كلُّ شيءٍ في حياة الأمم، وأساس كل نهضةٍ فيها، ونعتبر ذلك من مظاهر عقدة النَّقص التي يعانيها جيلُنا المعاصر تجاه الحضارة الغربية، مع أن أمتنا -في هذه المرحلة الخطيرة من مراحل نهضتها- بحاجة إلى القوَّة والعلم والخُلُق النَّبيل الذي يبثُّه الإسلام في نفوس جماهيرنا، على هذا الأسس الجميلة في الحياة”.

في عام 1948 ارتكبت منظمة الأمم المتحدة جريمتها النكراء بإقرارها، مشروع تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، وتدويل القدس، فأعطت بذلك ”إسرائيل وضعًا شرعيًا !! يبرر-في زعمها-اغتصابها للقسم الأكبر من فلسطين، وأمام هذا التحدي لمبادئ الحق والعدالة وتجاهل إرادة الشعب العربي الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره ثارت الشعوب العربية والإسلامية ودفعت الحكومات العربية لدخول المعركة ضد القوات اليهودية الغاصبة…

وهنا دعا السباعي الأمة إلى الذود عن كرامتها وحقوقها وحريتها انطلق يجوب المدن والقرى السورية من حدود فلسطين في الجنوب إلى حدود تركيا في الشمال، ومن حدود العراق في الشرق إلى الساحل السوري في الغرب يدعو إلى التطوع لإنقاذ فلسطين، ويثير لهفة المؤمنين إلى جنة الرضوان التى فتحت أبوابها خلف نيران المعركة في الأرض المقدسة. واندفع في مقدمة الكتائب يقود كتائب الشباب المؤمن من جماعة الإخوان المسلمين ممن رباهم على مبدأوالموت في سبيل الله اسمي أمانينا” فخاض بهم المعارك القاسية في الميدان الذى اختاره مركزاً لانطلاقه وحركاته وكان في قلب مدينة القدس وأطرافها ليحمي بيت المقدس أولي القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وكان القتال يوم ذاك يدور فيها من بيت إلى بيت ومن شارع إلى شارع فضرب حين ذاك وإخوانه أروع نماذج البطولة، وقد تساقط من حوله عشرات الشهداء من المجاهدين.

وبعد أن تمت المؤامرة وتمثيلية الحرب المصطنعـة بين الدول العربية وإسرائيل، حيث جُرِّد المجاهدون الفلسطينيون من أسلحتهم وسُـلِّمت البلاد لليهود لقمة سائغة، واعتقل مجاهدو الإخوان المسلمين وزج بهم في معسكرات الاعتقال، ثم نقلوا إلى سجون مصر، حيث قامت حكومة النقراشي العميلة بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8-12- 1949، عاد السباعي إلى سورية غاضباً يصب جام غضبه على المأجورين والعملاء، ويفضح خطط المتآمرين، ويكشف عمالة الأنظمة، ويشرح ما جرى من مهازل القادة العسكريين الذين كانوا تحت إمرة الجنرال (كلوب) الإنجليزي، ويكشف قضية الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، ويفضح تصريحات القادة العراقيين عن عدم وجود أوامر لضرب اليهود (ماكو أوامر) ولولا جهاد المتطوعين من الفلسطينيين والمصريين والسوريين والأردنيين من الإخوان المسلمين، لما وجد ثمة قتال حقيقي ضد اليهود، بل هدنة ثم هدنة لتمكين اليهودية من العرب، وإمدادهم بالأسلحة الأوروبية والأمريكية والمقاتلين الأجانب لترجيح كفة اليهود على الفلسطينيين، ثم تسليم البلاد وتهجير أهلها واعتقال المجاهدين المتطوعين في سبيل الله للذود عن ديار المسلمين المقدسة.

يقول الأستاذ مصطفى السباعي في كتاب) الإخوان في حرب فلسطين): كنا نشعر ونحن في قلب معارك القدس، أن هناك مناورات تجري في الصعيد الدولي، وفي أوساط السياسات العربية الرسمية، فتشاورنا في كتيبة الإخوان المسلمين فيما يجب علينا فعله، بعد صدور الأوامر إلينا بالانسحاب من القدس، فقرَّ رأينا على أننا لا نستطيع مخالفة الأوامر الصادرة إلينا بمغادرة القدس لاعتبارات متعددة، وأننا بعد وصولنا إلى دمشق سنرسل بعض الإخوان المسلمين خفية إلى القدس مرة ثانية، لدراسة ما إذا كان بالإمكان عودتنا بصورة إفرادية، لنتابع نضالنا في الدفاع عن فلسطين، وعدنا إلى دمشق مع سائر أفراد الحامية وقيادتها، التابعة لجيش الإنقاذ حيث تسلمت قيادة جيش الإنقاذ أسلحتنا ووعدت باستدعائنا مرة ثانية عند الحاجة.

عاد السباعي إلى سورية ليخوض الحرب لإصلاح الفساد في الداخل، وتربية الأمة من جديد على منهج الإسلام الصحيح، منهج الإخوان المسلمين الذي يعنى بتربية الفرد المسلم، ثم الأسرة المسلمة، ثم المجتمع المسلم، لتكون الثمرة قيام الحكومة المسلمة التي تحكم بشرع الله وتنفذ أحكامه وترعى مصالح البلاد والعباد، وتقضي على الشر والفساد، وتحارب الزيغ والإلحاد

لقد كان السباعي رحمه الله طاقة جبارة من النشاط المتوقد الذي لا يعرف الملل ولا الفتور. فليس غريبًا أن يخوض الميادين المختلفة، ويكافح في جبهات متعددة.. ثم ينجح ويتفوق في كل الميادين. وينتصر في كل الجولات… ولقد أدرك رحمه الله أهمية الصحافة كسلاح فعال في يد الفكرة الإسلامية تستخدمه في توجيه وقيادة الرأي العام وتوعية الجماهير بأهدافها وقضاياها فأنشأ لذلك جريدة ”المنار” من 1947 إلى 1949 أي إلى قيام انقلاب حسني الزعيم الذي أوقفها وظلت كذلك إلى أن تملك امتيازها الأستاذ بشير العوف الذي استأنف إصدارها باسمه كجريدة سياسية مستقلة.

وفي عام1955 وبعد أن عادت الأوضاع الشرعية والدستورية للبلاد عاد السباعي إلى ميدان الصحافة من جديد، فأسس مع إخوانه جريدة الشهاب السياسية الإسلامية الأسبوعية وكان المشرف على تحريرها وسياستها العامة وقد استمر صدورها حتى قيام الوحدة مع مصر عام 1958 وتوقفت بعدها عن الصدور بعد أن قامت بواجبها نحو قضايا الأمة العربية والإسلامية وقضايا الشعب خلال أكثر من ثلاث سنوات خير قيام. ولقد كان للسباعي فيها مقالات وبحوث روحية وفكرية واجتماعية وتاريخية وسياسية رائعة.

وفي نفس العام 1955 حصل الدكتور السباعي على امتياز بإصدار مجلة المسلمون بعد احتجابها في مصر وظل رئيسًا لتحريرها إلى سنة 1958 حيث رأى تغيير اسم المجلة وتجديدها فاختار لها اسم حضارة الإسلام“ التي أعطاها من جهده وفكره ما جعلها تشق طريقها بقوة ومضاء، ولقد أراد أن يجعل من هذه المجلة مدرسة للفكر الإسلامي الأصيل، توضح معالم الطريق، وتوحد مناهج التفكير، وتعكس حقيقة الإسلام الناصعة في صورة مشرفة واضحة.. كل ذلك بأسلوب مرن جذاب بعيد عن تعصب المتعصبين وجمود الجامدين ودون حيدة عن طريق الحق وروح الشريعة الخالدة.

لم يعرف عالَمُ الخطابة – في العصور العربية الحديثة- أخطبَ من الدكتور مصطفى السباعي ، ولا أبلغ بلاغةً، ولا أفصح فصاحةً، ولا أشدَّ تأثيراً منه في سامعيه.

لقد كان يبثُّ في النَّاس روح الحرِّية والكرامة، والعزَّة واستقلال الشَّخصية، بما أوتي من فصاحة لا يبعد بها عن مألوفهم، ولا ينأى عمَّا عرَفوه، فلم يعلُ عن مداركهم، إلا ليرتفع بهم شيئاً فشيئاً، فأحبوه وعشقوا خطبه التي تصعد بهم في مدارج الخيال والذكريات، ثم تعود بهم إلى الواقع المعيش، فتهزُّهم هزًّا بجزالة ألفاظها، وجمال عباراتها، وجلال معانيها.

ولعلَّ النَّاس في أرض الكنانة لا يزالون يذكرون ذلك الخطيب الشَّامي (السِّباعي) الذي جاء إلى مصر شريداً، ووقف يخطب في الجماهير الحاشدة، وفيهم رجال الثَّورة، فألهب الحناجر بالهتاف والتكبير، فما كان من رئيس الجمهورية (محمد نجيب) إلا أن يخلع قبَّعته العسكرية، ويقذف بها في الهواء وهو يهتف مع الهاتفين: الله أكبر ولله الحمد.

كان السِّباعي يرتجل خطبه، فتعجبُ لهذا الارتجال الذي يأتي مسددًّا في أسلوبه ومعانيه، وفي إصابة الهدف في نفوس سامعيه، دون أن تقع له على هفوةٍ لفظية.

وتظنُّه لما ترى من اختيار الألفاظ والعبارات، والتَّنقيب عن الأفكار والمعاني، قد أتعب نفسه في التَّحضير للموضوع، وإنَّما يكون وليد لحظته، لم يُعدّ له ولم يستعد، ولكنه ارتهن بذلك الموقف، فبادر إلى فك الرِّهان، بما آتاه الله من فصاحة اللِّسان، وحصافة العقل، وذكاء القلب، وجمال السَّمت، وجلال النَّفس، وعذوبة الصوت، وأسر موسيقاه، وحضور البديهة التي تحتوي ما قد يجدُّ على الموقف.

كان السِّباعي يخطب السَّاعات المعدودات، يتدفَّق الكلام الحلو من فيه في سائر أحواله، وهو في البرلمان يحاول إقناع زملائه النُّواب، وهو يخطب في جماهير المتظاهرين، وهو يخطب في المسجد خطبة الجمعة، وهو يردّ على السياسيين والمفكرين.. الكلمات القوية، والمعاني الرَّاسخة، والقبضة الحديدية التي ترافق تلك الكلمات والمعاني، والصرخة الحرَّة الأبية، والنبرة التي تأتي عالية حيناً وحيناً حيية.. كانت بعضاً من مقوِّمات خطابته وعناصر نجاحه فيها.

اجعلوا لفلسطين ما تملكون من مال، وما ترزقون من مواهب، وما تجدون من وقت، وما تفاخرون به من عرض وعقيدة.

هذا هو الطَّريق الجديد إلى وطنكم المفقود.

دعا السِّباعي إلى التَّكافل الاجتماعي لسدِّ حاجات الفقراء واليتامى والمسنين والغارمين وأبناء السبيل، وكان يرى أن تنهض الدَّولة بكفالة هؤلاء، وإن لم تكفِ مواردها، فلها أن تصادر ما هو ضروري ولازم للحياة الكريمة، في المجتمع الإسلامي المتَّصف بالتَّكافل والعدل، وعلى الدَّولة أن تقضي على كل الأسباب التي تحول دون ذلك.

وكان أن أنشأ لجاناً لجمع التَّبرعات والإعانات وتوزيعها على المحتاجين، وكون (اللَّجنة التَّعاونية) لجنة دائمة تسعى لتحقيق هذا الغرض.

وتبنَّى مفهوم الاشتراكية الإسلامية عندما كان عضواً في الجمعية التَّأسيسية، ثم كوّن (الجبهة الاشتراكية الإسلامية) في البرلمان، منطلقاً من أن الإصلاح والعدل الاجتماعيين يمثلان ركيزتين أساسيتين للفكر الإسلامي الذي يدعو إليه الإخوان المسلمون ويتبنونه.

وكان له في البرلمان، وفي أثناء وضع الدُّستور السُّوري مناقشاتٌ فعالةٌ لقانون العمل، وكان تأثيره كبيراً في النَّص على حقوق العمَّال، وضمان مصالحهم، وتحسين ظروف عملهم، كما خاض معارك ضاريةً ضد الإقطاع والإقطاعيين الذين كانوا يمثِّلون نسبةً كبيرةً في البرلمان، واستطاع هو زملاؤه في الجبهة تحقيق مكاسب مهمةٍ للفلاحين، من حماية مصالحهم، ورفع مستواهم، وتوزيع أراضي الدَّولة عليهم، كلُّ ذلك لتحقيق استثمار أرض الوطن استثماراً صالحاً، ولإقامة علاقات اجتماعية سويَّة بين أفراد المجتمع.

في عام 1952 قامت معارك دامية في منطقة قناة السويس في مصر حيث كانت القاعدة البريطانية الكبرى قد فرضت سيطرتها على الشعب المصري وعلى حاكمه، مما جعل فئة من الشباب المؤمن في مصر تثور ضد الاحتلال البريطاني وطغيانه فنظموا العصابات المسلحة من الشباب الجامعي المؤمن وقاموا بالإغارة على المعسكرات البريطانية وعملوا على نسف مراكزها العسكرية وجسورها وقطارات المؤونة التابعة لها.

فهب السباعي رحمه الله يدعو الأمة لمؤازرة الشعب العربي المؤمن في مصر وقدم إلى وزير مصر المفوض كتابًا يعرض فيه تطوع آلاف من شباب الإخوان المسلمين للذهاب إلى القتال والمساهمة في معركتها.. ولكن السلطات السورية ألقت القبض عليه وزجته في سجن المزة قرابة أربعة أشهر.

وفي عام 1956م وعندما وجهت دوله الاستعمار الثلاثة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا إنذارها لمصر بعد تأميمها قناة السويس، قام السباعي يدعو الشعب للوقوف إلى جانب إخوانه في مصر وكان له فضل في تحويل الجامعة إلى ما يشبه الثكنة العسكرية فانخرط أساتذتها وطلابها في المقاومة الشعبية وظل السباعي أثناء حوادث العدوان يلبس لباس المقاومة الشعبية وكان يريد أن يجعل من هذا الزي زيًا شعبيًا لعموم أبناء الشعب.

وفي عهد أديب الشيشكلي أواخر عام 1952 تعرض الدكتور السباعي لمضايقة السلطة الحاكمة التي فرضت علية رقابة مزعجة تحصي عليه حركاته وسكناته… ولم يكتف الشيشكلي بهذه المضايقات ولكن اشتط في ذلك وطلب من أساتذة الجامعة وكبار الموظفين أداء قسم الولاء لعهده والدخول في الحركة التي أسسها باسم حركة التحرير” ولكن السباعي الذي تعشق الحرية وعاش يدافع عنها بلا هوادة رفض الانصياع للأوامر وتمرد عليها وأبي أداء القسم لعهد غير شرعي، فغضب الشيشكلي لهذا التمرد وأصدر مرسومًا بتسريحه من الجامعة، وأبعده من البلاد فاختار رحمه الله لبنان وبقي فيه حتى أواخر عهد الشيشكلي وهناك في لبنان التف حوله مئات من الشباب الجامعي المثقف وأظهروا له استعدادهم لإنشاء حركة إسلامية في لبنان بقيادته.

وفعلاً قد أسس معهم الحركة التي استمرت بعد ذلك حتى الآن تسير على النهج الذي رسمه لها السباعي رحمه الله.

وفي عام 1957 وبُعيد عودته من رحلته العلمية إلى الاتحاد السوفيتي هجم عليه المرض هجمة عنيفة فأخذ منه أكثر نصفه الأيسر، فشل حركته وأثار فيه الآلام المضنية.. فأقعده بعد طول مجالدة، ولكنه رحمه الله كره القعود وكره الراحة والكسل ولو كان بسبب المرض الشديد فتمرد عليه وجالد الآلام واستمر يتابع نشاطه بإلقاء دروسه الجامعية، ومحاضراته التوجيهية لطلاب كلية الشريعة في قاعة البحث، ولقد ألقي خلال مرضه هذا أهم محاضراته العلمية على مدرج جامعة دمشق منها محاضرته عن “اشتراكية الإسلامالتي استمر إلقاؤها أكثر من ثلاث ساعات وقد طبعت فيما بعد في كتاب كبير… ومنها أيضًا محاضرته العلمية الرائعة عن “المرأة بين الفقه والقانون التي استغرق إلقاؤها كذلك أكثر من ثلاث ساعات وقد طبعت أيضًا في كتاب كبير فيما بعد… هذا بالإضافة إلى عديد من المحاضرات العلمية الرائعة التي ألقاها في عدد من النوادي الثقافية والفكرية في دمشق.. كما استمر يمد الفكر الإسلامي بكل جديد من فكره وعلمه ويمد الشباب المسلم بالتوجيه والوعي، ويعالج أهم مشكلات العالم الإسلامي كل ذلك على صفحات مجلة حضارة الإسلام“.

ولقد كانت فترة مرضه الطويل الذي استمر ثماني سنوات حمل خلالها من الآلام ما لا يقدر على حمله رجال من أولي العزم إلا من كان له صبر الأنبياء ورغم هذه الآلام المبرحة المستمرة فقد كانت فترة مرضه هذه أخصب فترات حياته إنتاجًا فكريًا وعلمياً وأدبيًا واجتماعيًا.

فألف القسم الاجتماعي من كتابه هكذا علمتني الحياة” وهو في مستشفى المواساة عام 1962 وكان يختلس القلم والقرطاس في غفلة من أعين الأطباء الذين شددوا عليه في ضرورة الابتعاد عن التفكير والقراءة والإخلاد إلى الراحة التامة. فكان هذا الكتاب من أروع كتبه وأطرفها لما حواه من الحكمة والتجارب والإرشاد والتوجيه السديد والرأي الرشيد والبلاغة الرائعة.. وفي هذه الفترة أيضًا طبع كتابه القلائد من فرائد الفوائد وهو مختارات من بطون أمهات كتب الأدب والفقه والتاريخ.. وكذلك طبع كتابه العلمي الكبير السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي وهو أثر علمي خالد في الدفاع عن السنة ومكانتها وفي الرد على خصومها من المستشرقين والمغرضين.

ولقد ضرب مصطفي السباعي عليه رحمة الله خلال مراحل مرضه أروع آيات الصبر الجميل مع ما فيه من الرضا والتسليم لقضاء الله وتحاشي التسخط والتبرم والشكوى.

فما كنا نسمع إلا الحمد لله يجرى على لسانه كلما سألناه عن آلامه مهما اشتدت وازدادت.. وكان رحمه الله كلما برحت به الآلام وأرقت ليله وحرمته لذة النوم أسرع إلى القلم والقرطاس ليسجل ما تفيض به نفسه من معاني روحية سامية يناجى بها ربه في جوف الليل الطويل.

وخلاصة القول أن السباعي قد أثبت رجولته الفذة في حال صحته وفي حال مرضه وكان رجلاً عظيمًا في كل مراحل حياته عليه رضوان الله ورحمته.

قيل: لا يعرف لأهل الفضل فضلهم إلا من هم من أهله.. والدكتور مصطفي السباعي علم فوق منارة في مزايا الفضل، إنه الرجل الحرّ الشجاع، المقدام العالم المفكر الأديب الداعية، صاحب المبادرات الفذة في العلم والفكر والحركة والدعوة.

ولقد عرف فضل تقدم الرجل في كل هذه الميادين من هم من الرجال المعدودين في أوطانهم، ولكونهم كذلك، فقد دونوا في سجل الأمة سيرة عطرة من خصال ومناقب الرجل، التي قلما تجتمع في إنسان واحد. إلا في النادر من الأزمان والأمكنة.

وفي يوم السبت 3/10/1964 انتقل المجاهد العامل والداعية الصابر، الأستاذ الدكتور مصطفى حسني السباعي إلى جوار ربه بمدينة حمص، بعد حياة حافلة بالجهاد المتواصل، وقد شيعت جنازته في احتفال مهيب وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق.

 

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى
Translate »